الحلبي

71

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أرض الحبشة ومعه الأشعريون ، أبو موسى الأشعري وأخواه أبو رهم وأبو بردة رضي اللّه عنهم ، وكان أبو موسى أصغرهم وأقواهم وكان قوم جعفر بالحبشة ، أي لأنهم هاجروا إلى الحبشة من اليمن كما تقدم ، وقبل قدومهم إليه صلى اللّه عليه وسلم قال صلى اللّه عليه وسلم « يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا » فقدم الأشعريون ، وذكر أنهم عند مجيئهم صاروا يقولون : غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه وفي كلام بعضهم ما يفيد أنه صلى اللّه عليه وسلم قال في حقهم « أتاكم أهل اليمن ، هم أضعف قلوبا ، وأرق أفئدة ، الفقه يمان ، والحكمة يمانية » . ولما أقبل عليه صلى اللّه عليه وسلم جعفر رضي اللّه عنه قام صلى اللّه عليه وسلم إلى جعفر وقبله بين عينيه وفي رواية « قبل جبهته » . أي وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما « لما قدم جعفر رضي اللّه عنه من أرض الحبشة اعتنقه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقبل بين عينيه » وجعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة . وقال بعضهم : إنها مكروهة ، وحديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهي عنها ، فإنه نهى عن المعاكمة وهي المعانقة ، وحمل ذلك بعضهم على ما إذا كانت المعانقة من غير حائل . أقول : لم يجب بذلك سيدنا مالك رضي اللّه عنه ، فإنه لما قدم عليه سفيان بن عيينة رضي اللّه عنه صافحه مالك وقال له : لولا أنها بدعة لعانقتك ، فقال له سفيان : قد عانق من هو خير منك ومني النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال مالك : تعني جعفر بن أبي طالب ؟ قال نعم ، قال : ذلك حبيب خاص ليس بعامّ ، أي فذلك من خصوصياته ، فقال له سفيان : ما عم جعفرا يعمنا ، وما يخصه يخصنا ، أي فالأصل عدم الخصوصية ، ثم قال له سفيان : أتأذن لي أن أحدثك بحديثك . قال نعم ، فقال : حدثني فلان عن فلان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وذكر الحديث المتقدم عنه ، وقد جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم التزم زيد بن حارثة رضي اللّه عنه حين قدم عليه من مكة . وأما المصافحة ، فقد جاء « أن أهل اليمن لما قدموا المدينة صافحوا الناس بالسلام ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن أهل اليمن قد سنوا لكم المصافحة » وقال « من تمام محبتكم المصافحة » وقال صلى اللّه عليه وسلم لصفوان بن أمية لما قدم عليه « وإلى عدي بن حاتم » . قال السهيلي : وليس هذا معارضا لحديث « من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار » لأن هذا الوعيد إنما توجه للمتكبرين وإلى من يغضب أن لا يقام له ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقوم لفاطمة رضي اللّه عنها وكانت تقوم له صلى اللّه عليه وسلم هذا كلامه ، واللّه أعلم . ولما رآه صلى اللّه عليه وسلم جعفر حجل : أي مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن أهل الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول له « أشبهت خلقي